الشنقيطي
56
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ومن باب ما يذكره العلماء في مناسبات السور بعضها من بعض . فقد قال أبو حيان لما ذكر السورة التي قبلها مصير الأبرار والفجار يوم القيامة ، ذكر هنا من موجبات ذلك وأهمها تطفيف الكيل ، وبخس الوزن ، وهذا في الجملة متوجه ، ولكن صريح قوله تعالى في السورة السابقة وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [ الانفطار : 4 - 5 ] ، فهو وإن كان عاما في كل ما قدمه لنفسه من عمل الخير ، وما أخر من أداء الواجبات عليه ، فإنه يتضمن أيضا خصوص ما قدم من وفاء في الكيل ورجحان في الوزن ، وما أخر في تطفيف في الكيل وبخس طمعا في المال وجمعا للتراث ، كما قال تعالى : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [ الفجر : 19 - 24 ] . ومن هنا يعلم للعاقل أن ما طفف من كيل أو بخس من وزن ، مهما جمع منه ، فإنه يؤخره وراءه ومسؤول عنه ، ونادم عليه ، وقائل : يا ليتني قدمت لحياتي ، ولات ساعة مندم . قوله تعالى : أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ( 4 ) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ( 5 ) [ 4 - 5 ] . تقريع وتوبيخ لهؤلاء الناس ، وفيه مسألتان : الأولى : أن الباعث على هذا العمل هو عدم اليقين بالبعث أو اليقين موجود ، لكنهم يعلمون على غير الموقنين أي غير مبالين ، كما قال الشاعر في مثل ذلك ، وهو ما يسمى في البلاغة بلازم الفائدة : جاء شقيق عارضا رمحه * إن بني عمك فيهم رماح فالمتكلم يعلم أن شقيقا عالم بوجود الرماح في بني عمه ، وأنهم مستعدون للحرب معه ، ولكنه رأى منه عدم المبالاة وعدم الاستعداد ، بأن وضع رمحه أمامه معترضا فهو بمنزلة من لا يؤمن بوجود الرماح في بني عمه ، وهو لم يرد بكلامه معه أن يخبره بأمر يجهله ، ولكنه أراد أن ينبهه لما يجب عليه فعله من التأهب